نصر حامد أبو زيد
186
الاتجاه العقلي في التفسير
القاضي عبد الجبار ورود هذا النوع من الخطاب بالتكليف العقلي وضرورة النظر والاستدلال ، ويعدّ ورود المحكم من قبيل اللطف الباعث على النظر . ومن شأن النظر أن يؤدي إلى المعرفة ، وبذلك يكون ورود المحكم غايته إثارة العقل ودفعه للنظر والبحث والاستدلال « إنه عز وجل إنما خاطب بذلك ليبعث السائل على النظر والاستدلال ، بما ركب في العقول من الأدلة . أو لأنه علم أن المكلف عند سماعه والفكر فيه يكون أقرب إلى الاستدلال عليه ، منه لو لم يسمع بذلك ، فهذه الفائدة تخرج الخطاب من حد العبث » 162 . بعد هذا التفسير الثلاثي للخطاب الإلهي بوجهيه ، الصيغة والمضمون ، يستبعد القاضي عبد الجبار النوع الأول من دائرة المحكم والمتشابه ، على أساس أنه يدل بنفسه دون حاجة أو معرفة خارجية ، وهو ذلك النوع الذي يدل على الأحكام الشرعية كالصلاة وشروطها ومواقيتها . . الخ . أمّا النوعان الثاني والثالث وهو الخطاب الذي لا يستقلّ بنفسه فإن الناس قد اختلفوا في العبارة عنه « وليس المعتبر بالعبارات ، لأن وصف بعضه بأنه محكم ، وبعضه بأنه متشابه وبعضه بأنه مجاز ، وبعضه بأنه محذوف ، إلى ما شاكله ، لا يؤثر في أنه متفق في الوجه الذي ذكرناه ، وفي أنه يحتاج فيه إلى طلب قرينة يعرف بها المراد ، لكنه قد يختلف ، ففيه ما يحتاج إلى قرائن وفيه ما يحتاج إلى قرينة واحدة ويتفاوت في ذلك ، وربما ظهر الحال في تلك القرينة وربما غمض ، ولذلك يكثر اختلاف الفقهاء وأهل العلم فيما هذا حاله » 163 . ويؤكّد القاضي خروج آيات الأحكام من نطاق المحكم والمتشابه في موضع آخر ، وذلك على أساس أن هذه الآيات ترتبط ببعضها في القرآن كله « إن آيات الكتاب التي هي دالّة في الحقيقة على الحلال والحرام لا يمكن ادعاء التناقض فيها ، لأنها إذا اختلفت فلا بدّ من أن تقدر التقدير الذي قدمناه ، فيخص بعضها بعضا ، وتجعل وهي مفترقة كأنها متصلة ، وكأن بعضها مقيد ببعض ، على ما يجب في طريقة اللغة » 164 . ولكي يتأكد للقاضي عبد الجبار هذا الربط بين آيات القرآن وأدلّة العقل وضرورة رد الأولى إلى الثانية ، خصوصا تلك الآيات التي لا تدل بظاهر صيغتها ، كان عليه أن ينفي كل تعريفات المحكم والمتشابه التي كانت مطروحة قبله أو في عصره 165 ومنها الآراء التي سبق أن أشرنا إليها في صدر هذا الفصل . فهو يرفض الرأي القائل بأن المحكم والمتشابه هو الناسخ والمنسوخ وذلك « لأن اللغة لا تقتضي ذلك ، وقد يكون المنسوخ مما يدل ظاهره على المراد فيكون محكما فيما أريد به وإن نسخ وقد يكون الناسخ غير مستقل بنفسه فيكون متشابها وإن كان المراد به ثابتا